فخر الدين الرازي
105
تفسير الرازي
بكونه معجزاً على صدق نبوته ، وعند هذا يسقط استدلال الخصوم بهذه الآية من كل الوجوه ، ومما يقوى أن حمل الآية على ما ذكرناه أولى ، وجوه : الوجه الأول : أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم قالوا : * ( لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه لعلكم تغلبون ) * ( فصلت : 26 ) فلما حكى عنهم ذلك ناسب أن يأمرهم بالاستماع والسكوت ، حتى يمكنهم الوقوف على ما في القرآن من الوجوه الكثيرة البالغة إلى حد الإعجاز . والوجه الثاني : أنه تعالى قال قبل هذه الآية : * ( هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) * فحكم تعالى بكون هذا القرآن رحمة للمؤمنين على سبيل القطع والجزم . ثم قال : * ( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) * ولو كان المخاطبون بقوله : * ( فاستمعوا له وأنصتوا ) * هم المؤمنون لما قال : * ( لعلكم ترحمون ) * لأنه جزم تعالى قبل هذه الآية بكون القرآن رحمة للمؤمنين قطعاً فكيف يقول بعده من غير فصل لعل استماع القرآن يكون رحمة للمؤمنين ؟ أما إذا قلنا : إن المخاطبين بقوله : * ( فاستمعوا له وأنصتوا ) * هم الكافرون ، صح حينئذ قوله : * ( لعلكم ترحمون ) * لأن المعنى ؛ فاستمعوا له وأنصتوا فلعلكم تطلعون على ما فيه من دلائل الإعجاز ، فتؤمنوا بالرسول فتصيروا مرحومين ، فثبت أنا لو حملناه على ما قلناه حسن قوله : * ( لعلكم ترحمون ) * ولو قلنا إن الخطاب خطاب مع المؤمنين لم يحسن ذكر لفظ " لعل " فيه . فثبت أن حمل الآية على التأويل الذي ذكرناه أولى ، وحينئذ يسقط استدلال الخصم به من كل الوجوه ، لأنا بينا بالدليل أن هذا الخطاب ما يتناول المؤمنين ، وإنما تناول الكفار في أول زمان تبليغ الوحي والدعوة . * ( وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بالْغُدُوِّ وَالاَْصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَافِلِينَ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال : * ( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) * ( الأعراف : 204 ) اعلم أن قارئاً يقرأ القرآن بصوت عال حتى يمكنهم استماع القرآن ، ومعلوم أن ذلك القارئ ليس إلا الرسول عليه السلام ، فكانت هذه الآية جارية مجرى أمر الله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقرأ القرآن على القوم بصوت عال رفيع ، وإنما أمره بذلك ليحصل المقصود من تبليغ الوحي والرسالة ، ثم إنه